
تكون جالسًا في ما هو متعارف عليه بأمان الله، يخطر على بالك خاطر مراده أن تشاهد مجددًا فيلم Cinema Paradiso للمرة الرابعة في حياتك وخلال عام واحد، وكذا تفعل بلا طول تفكير.. ثم لا تفهم ما الذي يحدث لك بعد ذلك!
الآن.. أنا لا أعرف، صدقًا، ما الذي يدفعني لأتحدث عنه، ما الكلمات التي أملكها من الأساس لأقولها عن فيلم من صوت وصورة ومليون إحساس وآخر؟ لست ناقدًا سينمائيًا ومشاهداتي السينمائية بالمجمل يمكن إحصائها في دقائق قليلة. لكن من بين أفلام قليلة شاهدتها ولا أشعر بأدنى حرج أن أكرر مشاهدتها، يتربّع هذا الفيلم على رأس القائمة، ويدخّن اللعين- بكل ثقة- دنهيل أحمر.
في كل مرة أصل إلى المشهد الختامي، يتدفق، بالتوازي مع الصور على شاشة السينما أمام “توتو”، سيل جارف من صور ومشاهد أخرى من طفولتي أمام عيني. هل كانت بهذا الزخم؟ نعم، هل أتذكر منها الكثير؟ لا، هل أشتهي أن أعود طفلا؟ كُنت، هل الطفل في الداخل -الذي لا يموت كما يقال- لا زال حيا؟ أشكّ. من بين كل تلك السنوات تتراءى لي صور قليلة لتفضّ هذا الضباب، منها صورتي وأنا أتشبث في يد صديقي على حائط المدرسة الابتدائية كي لا أسقط، كان السور عاليا حقا وكانت تلك محاولتي الأولى للهرب من المدرسة آنذاك، نجحت يومها وركضنا سويا كل شارع المدرسة ونحن نضحك ملء قلوبنا، وفي اليوم التالي كنا نُعاقب من مديرة المدرسة (في روايةٍ أخرى: والدتي) أمام كل الطلاب كوننا الأوائل على المدرسة، وبأفعالنا هذه نهدم أسطورة القدوة الحسنة وكل هذا الهراء الذي كانوا يحشونه في رؤوسنا.
صورة أقدم، لأول يوم دوام في حضانة “الشروق” في خانيونس، كنت أكره حياتي لأنني لا أعرف أحدًا فيها، كانوا كلهم أبناء مدينة وكنت الوحيد بينهم الآت من القرية محمّلاً بلهجة غريبة بالنسبة لهم. كانت هذه الحضانة، وكل ما يتعلق بها، أول اغتراب حقيقي أشعر به في حياتي. بل أكاد أجزم أنني وفي الخامسة من عمري أصابني أول اكتئاب. حاولت في رابع أيام الدوام أن أهرب من باص الحضانة الذي كان يوقظ الحارة كلها في السادسة صباحًا، زحفت على ركبتي من بيتنا إلى بيت جدّي المجاور، أفسدت البنطال القماشي الجديد وأسقطت الساندويتشات من الشنطة المدرسيّة، كل ذلك قبل أن ينتبه لي والدي من البلكونة ويصرخ فيَّ ليجبرني على ركوب الباص.
صور كثيرة، ولا.. ليس كلّها على علاقة بالمدرسة والهروب منها، وهنا أنا لا أنكر شغفي بالطفولة بفكرة الهروب، الهروب من المدرسة، الهروب من البيت، الهروب بمفهومة الشمولي. صورة لأشرس عراك أقحمت نفسي فيه مع بائع أمام المدرسة الإعدادية/ أول مرة رميت فيها حجر على جيب إسرائيلي واستمر احتفالي به أسبوعًا كاملاً/ أول مرة أكتب رسالة -ظننت أيامها أنها رسالة حب- إلى الفتاة التي تغنّي يوميًا في الإذاعة المدرسية أطلب منها أن تكتب لي كلمات أغنيتين غنّتهما، الأولى كانت سلفيّة: سنخوض معاركنا معهم والثانية تبشيريّة والله أعلم: Happy Nation / صورة لي ولأصدقاء نجلس قلقين أمام حاسوب في مقهى عام يشرف على إدارته إمام المسجد، نتصفح عليه موقعًا يصنّف لمن هم (+18) ونحن أكبرنا لم يتم الثانية عشر/ أول وردة في الكتاب/ أنا وكل أولاد عمومتي وبعض الجيران في الطابق الأرضي لبيت عمّي مشدوهين أمام التلفاز الذي يبث فيلم عربي “قليل حيا” كل يوم جمعة على قناة إسرائيل الثانية.. وهات حِلني من بئر ذكريات لئيمة وانفجرت!
ما يحدث كالتالي: تشاهد الفيلم، تشعر بأن فراشًا يحلّق في بطنك (لا، ليس شعورا لطيفا)، تكتب عن أمور لا علاقة لها بالفيلم ولا حتى عمّا تشعر به، تضغط زر “نشر”، تندم على ذلك، تشعر أن كل ما تفعله يستفز الفراش أكثر، تطفئ الإنارة وتغلق شاشة اللاب توب، وتنام.