ما يحدث كالتالي

يناير 3, 2012

تكون جالسًا في ما هو متعارف عليه بأمان الله، يخطر على بالك خاطر مراده أن تشاهد مجددًا فيلم Cinema Paradiso للمرة الرابعة في حياتك وخلال عام واحد، وكذا تفعل بلا طول تفكير.. ثم لا تفهم ما الذي يحدث لك بعد ذلك!

الآن.. أنا لا أعرف، صدقًا، ما الذي يدفعني لأتحدث عنه، ما الكلمات التي أملكها من الأساس لأقولها عن فيلم من صوت وصورة ومليون إحساس وآخر؟ لست ناقدًا سينمائيًا ومشاهداتي السينمائية بالمجمل يمكن إحصائها في دقائق قليلة. لكن من بين أفلام قليلة شاهدتها ولا أشعر بأدنى حرج أن أكرر مشاهدتها، يتربّع هذا الفيلم على رأس القائمة، ويدخّن اللعين- بكل ثقة- دنهيل أحمر.

في كل مرة أصل إلى المشهد الختامي، يتدفق، بالتوازي مع الصور على شاشة السينما أمام “توتو”، سيل جارف من صور ومشاهد أخرى من طفولتي أمام عيني. هل كانت بهذا الزخم؟ نعم، هل أتذكر منها الكثير؟ لا، هل أشتهي أن أعود طفلا؟ كُنت، هل الطفل في الداخل -الذي لا يموت كما يقال- لا زال حيا؟ أشكّ. من بين كل تلك السنوات تتراءى لي صور قليلة لتفضّ هذا الضباب، منها صورتي وأنا أتشبث في يد صديقي على حائط المدرسة الابتدائية كي لا أسقط، كان السور عاليا حقا وكانت تلك محاولتي الأولى للهرب من المدرسة آنذاك، نجحت يومها وركضنا سويا كل شارع المدرسة ونحن نضحك ملء قلوبنا، وفي اليوم التالي كنا نُعاقب من مديرة المدرسة (في روايةٍ أخرى: والدتي) أمام كل الطلاب كوننا الأوائل على المدرسة، وبأفعالنا هذه نهدم أسطورة القدوة الحسنة وكل هذا الهراء الذي كانوا يحشونه في رؤوسنا.

صورة أقدم، لأول يوم دوام في حضانة “الشروق” في خانيونس، كنت أكره حياتي لأنني لا أعرف أحدًا فيها، كانوا كلهم أبناء مدينة وكنت الوحيد بينهم الآت من القرية محمّلاً بلهجة غريبة بالنسبة لهم. كانت هذه الحضانة، وكل ما يتعلق بها، أول اغتراب حقيقي أشعر به في حياتي. بل أكاد أجزم أنني وفي الخامسة من عمري أصابني أول اكتئاب. حاولت في رابع أيام الدوام أن أهرب من باص الحضانة الذي كان يوقظ الحارة كلها في السادسة صباحًا، زحفت على ركبتي من بيتنا إلى بيت جدّي المجاور، أفسدت البنطال القماشي الجديد وأسقطت الساندويتشات من الشنطة المدرسيّة، كل ذلك قبل أن ينتبه لي والدي من البلكونة ويصرخ فيَّ ليجبرني على ركوب الباص.

صور كثيرة، ولا.. ليس كلّها على علاقة بالمدرسة والهروب منها، وهنا أنا لا أنكر شغفي بالطفولة بفكرة الهروب، الهروب من المدرسة، الهروب من البيت، الهروب بمفهومة الشمولي. صورة لأشرس عراك أقحمت نفسي فيه مع بائع أمام المدرسة الإعدادية/ أول مرة رميت فيها حجر على جيب إسرائيلي واستمر احتفالي به أسبوعًا كاملاً/  أول مرة أكتب رسالة -ظننت أيامها أنها رسالة حب- إلى الفتاة التي تغنّي يوميًا في الإذاعة المدرسية أطلب منها أن تكتب لي كلمات أغنيتين غنّتهما، الأولى كانت سلفيّة: سنخوض معاركنا معهم والثانية تبشيريّة والله أعلم: Happy Nation / صورة لي ولأصدقاء نجلس قلقين أمام حاسوب في مقهى عام يشرف على إدارته إمام المسجد، نتصفح عليه موقعًا يصنّف لمن هم (+18) ونحن أكبرنا لم يتم الثانية عشر/ أول وردة في الكتاب/ أنا وكل أولاد عمومتي وبعض الجيران في الطابق الأرضي لبيت عمّي مشدوهين أمام التلفاز الذي يبث فيلم عربي “قليل حيا”  كل يوم جمعة على قناة إسرائيل الثانية.. وهات حِلني من بئر ذكريات لئيمة وانفجرت!

ما يحدث كالتالي: تشاهد الفيلم، تشعر بأن فراشًا يحلّق في بطنك (لا، ليس شعورا لطيفا)، تكتب عن أمور لا علاقة لها بالفيلم ولا حتى عمّا تشعر به، تضغط زر “نشر”، تندم على ذلك، تشعر أن كل ما تفعله يستفز الفراش أكثر، تطفئ الإنارة وتغلق شاشة اللاب توب، وتنام.

العيال اللي جابتهم في الحلال الست مصر*

ديسمبر 18, 2011

يحتاج المرء منّا أكثر من لغة ليكوّن جملة واحدة يأخذ فيها موقفًا في هذا العالم الراكض بانتشاء نحو إنعدام الضمير، وأكثر من لسان لينطقها بصوتٍ مسموع. نحتاج أكثر من قلب ليغضب أو حتى في أذلّ الأحوال: يحزن، وأكثر بكثير من عينين ليسدّ جحورهما هذا الدمّ في الشوارع.

ما قيمة الكلمات، كلّ الكلمات التي تكتب، والخطب التي تقال، أمام الشباب الحقيقي الذي يصعد إلى حتفه في شوارع الشيخ ريحان والقصر العيني ومحمد محمود بالتهمة الأزليّة.. حب مصر؟، ما قيمتها وهل لها أن تفعل شيء، أيَّ شيء، أمام وحشيّة هذه الآلة العسكريّة التي يدفعها العالم الفاشستي كلّه محاولاً وأد الثورة التي قامت لتمزّق، لا لتطوي، آخر صفحة في حياته؟ لم يحدث أن صدّت الكلمة الرصاصة التي اخترقت رأس الشاب أحمد منصور، جاري الذي مشيت اليوم في جنازته بلا هدى ولا وعي، ولا مع علاء عبد الهادي، ولن تفعل مع غيرهم. ولم يحدث أن غطّت الكلمة صدر الفتاة التي سُحلت من ملابسها على مرأى من أعين هذا العالم الذي يتداعى، لكني الآن أفكّر.. إن كانت هي فعلاً بحاجة إلى “غطاء” ليستر جسدها، ما الذي نحتاج نحن لنستر كرامتنا؟

نكتبها -أدركنا ذلك أم لا- في محاولة لدرء العار الذي يلطّخ أيدينا، لكنها لن تفعل شيء، هذه حقيقة علينا أن نتصالح معها يا عرفات، كلماتنا أرخص من أن يقرأها أيٍ من الشباب ينتصب أمام الموت محاولاً إعادة المعنى لكلمة الشرف. الشباب البديع، العيال الحلال، الذين لا نستطيع أن نطلب منهم أن يصمدوا أكثر أمام هذا الجنون أو حتى أن يحقنوا دمائهم; إذ أنها أغلى من أن تُهدر على هذه اليد وبهذا الشكل. لكننا سنظل مُلزمون أمام الله والتاريخ أن نخبّر، حتى لو بيننا وبين أنفسنا، عن شباب من أجمل ما رأت أعيننا، أقوى من كلّ أساطير “الفراعنة”، نعوّل على عالم أنظف بوجودهم أكثر مما قد نفعل مع جيش مخصيّ الكرامة حين ضربه الإسرائيلي في سيناء استنفر، وانتصبت قامته كالريح وفتح النار.. تجاههم طبعًا!

أنا لا أعرف شيء. على مدار الأشهر الماضية كنت أستطيع التمييز بين الغضب والحزن، وكنت أعرف دائمًا أين مكاني بينهما، في كل شهر كاد أن يتملّكني فيه عجز الحزن كان الغضب الذي ينفجر في التحرير، لا أدري من أين وكيف، يعيد لي توازني الداخلي وفطرتي الإنسانيّة ضد الظلم.. كنت أغضب، لكني الآن حزين، وهذه حقيقة كالدم، حاولت أن أهرب منها، لكنها لا تنفكّ تهاجمني ولن يغيّرها -بعكس ما سيفعل شباب مصر- شيء.

رسالة إلى دوّار البهائيّة

أكتوبر 16, 2011

‎إن حرمان شخص من حريّته الطبيعية وإنكاره أسباب الراحة العادّية, هو اسوأ من تجويع الجسد, إذ أن ذلك هو تجويع للروح القاطنة في الجسد. غاندي

أشاهد هذا المقطع للمرة.. لا أذكر، أشاهده وأذرف دمعة لا تحاول أن تقول شيئا

يدخل إضراب الأسرى عن الطعام في الساعات القادمة أسبوعه الرابع، ساعة بعد ساعة تزداد أعداد المنضمّين للإضراب في السجون وخارجها حول العالم كله، ويمشي الإضراب بقامة متعبة لكنها منتصبة، بخطى ثقيلة لكن متيقنة بنصر لا جدل فيه، يمشي نحو أهدافه ومطالبه المعلنة منها واللامعلنة، والتي أظن أن أهمها: أن يجتث الأسرى ذاتهم من غياهب الذاكرة الشعبية إلى الوعي اليومي والهم الجماعي المشترك. نحن نكاد لا نعرف شيئا عنهم هناك، فالأخبار القادمة من الزنازين بصعوبة تقول أن الكثير من الأسرى بدأت صحتهم بالانهيار فعلا، آخرين دخلوا في غيبوبة والكثير منهم تم عزلهم ليس عن العالم الخارجي والاعلام فحسب، بل وحتى عن زملائهم في نفس القسم في السجن ذاته.

خارج هذه الأسوار الرمادية والخرسانة المسلحة، ليس خارجها تماما، اذ أن فلسطين والجوع والقيد جميعها تكفلت بتوحيدهم. خارج الأسوار، في حيفا، على دوار البهائية حيث “رفعنا علم مصر يوم انتصرنا في مصر وسرنا نحو أحياء حيفا العربية لنهتف: نموت وتحيا فلسطين، يوم مجزرة الفلوتيلا”، ثمة بعض الشباب الفلسطيني البديع الذي يخوض في معركة لن نعرف مدى عبقريتها إلا بعد انتصارها، يخوض الشباب في إضراب واعتصام مفتوحين إلى حينٍ ستقرره الأمعاء المتلوية والصامدة تحت سياط الفاشستي. المقطع أعلى الصفحة من هناك، من حي الألمانية في حيفا، أستطيع أن أميز منه بعض الوجوه المتعبة.. وهي ما أظنني أكتب لها الآن

مجد كيال في الدقيقة 1:21، ومجد هذا من أجمل ما أنجبت فلسطين، وليس لهذا أكتب عنه. أتذكر أنني التقيت به سريعًا في ملتقى لوز أخضر في رام الله قبل أكثر من عام ونصف وكان يناقش نصًا لا أتذكر عما كان. أقلّب في المقاطع الأخرى وأسمعه في  كلمة للشباب المضربين يلقيها عن زملائه المضربين معه عن الطعام في حيفا: “إحنا قلنا من البداية إنه هذا التحرك مش قيادة لأي نضال، إحنا ماشيين ورا الأسرى، إحنا جزء من نضال الأسرى وماشيين وراهم مهما كان الثمن وخاضعين لقرارات الأسرى”. ولا أتذكّر متى كانت آخر مرة سمعت فيها تصريحًا أو كلمة عابرة تخصّ فلسطين، من شخص لا زال على قيد الحياة، وأسعدتني كما فعلت كلمته الصادقة والعفوية.

أقلّب أكثر، وفي المقطع المرفق أعلاه، بجانب مجد شاب آخر اسمه مهند، وأنا لا أعرف مهند ولكنه، بشرع الفيس بوك، صديق لا تتجاوز عمر صداقتي به أيام معدودة. ولو تحدثت عن مهند الافتراضي سأقول أنه صديق معتّق ومن مدونته وتصاميمه تشكّلت حبي الوحشي لأشياء كثيرة. كانت، ولا تزال، زيارة مدونته أشبه بطقس يومي لا بد أن يؤدى بكثير من الخشوع. شاب آخر، اسمه نزار، عرفته من أغنية أوصلتني إلى قناته الجميلة على اليوتيوب، كانت مدونته أول الصفحات التي أفتحها صباحًا بجانب صفحات الأخبار، ومنذ الإضراب وحتى بعدما كتبَ في مدونته “آخر موضوع ببلوزة جائعون للحرية“.

مهند، نزار، مجد، جبر.. وكل الشباب الجميل الذي حفظت قسماتهم أكثر من أسمائهم، والذي يعيد احياء أمنية عتيقة في صدري بزيارة حيفا مشكّلا مفاهيم جديدة عن  الحب والمقاومة بعيدًا عن قماءة الأحزاب وأصحاب ربطات العنق.. كيف أقول لكم ما أود أن أقوله دون أن تكون كل الكلمات مبتذلة؟ أحاول ألا أكون رومانسيًا بكلمات مستهلكة، لكن الكلمات كلّها كذلك، وبالتأكيد لن أنتقي الكلمات في رسالة كهذه. هذه رسالة حب وامتنان، لكم أنتم الأغنية المتعِبة والمتعَبة في سديم الصمت هذا، رسالة تأكيد على تأكيدكم، أننا يوحّدنا الأسرى وتفرقنا أوسلو، أن المجد للشارع والنصر للجموع الغاضبة، العار للمقاطعة والمكاتب المكيفة.. قليلاً بعد، سيطلع الضوّ.. وتزهر حيفا وما بعد حيفا وعدًا من آلامكم*، وجوعكم.

إنتو الـ بتطلعوا الضوّ*

أكتوبر 11, 2011

كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه عن غياب السلاح، وأنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون من أجل شيء أحترمه. غسّان كنفاني

يخوض الأسرى الفلسطينيون في سجون القهر والظلام أشرس معاركهم مع الجلاد الإسرائيلي، معركة الأمعاء الخاوية للمطالبة بحقوقهم الإنسانية، وفي هذه اللحظات التي أكتب فيها هذه الأسطر التافهة، ويتظاهر شباب من رام الله أمام سجن عوفر، ويغنّي شباب في حيفا للحرية وللأمعاء الخاوية، ويدخل شباب نابلس اليوم التاسع في إضرابهم، وتنصب خيمات اعتصام أمام مقر الصليب الأحمر في غزّة وقلقيلية وبيت لحم، يدخلون الأسرى بكامل أناقتهم وكرامتهم أسبوعهم الثالث في الإضراب عن ذل السجّان الفاشي لهم.

أسرى الحرية، لن أستطيع وصفف كم التفاهة الهائلة التي تكتفنا في حريتنا الفاسدة هذه كلما تذكرنا، ونحن ننساكم، لأننا نسينا أنفسنا، وجوهنا وأيدينا، ولأننا ننسى أنهم لا ينسَون*، كلما تذكرنا أنكم لا زلتهم هناك، تبحثون عن أشكال لاستمرار الحياة البطيئة، تعيشون محاولات الانتظار بأكثر صوره تشوّهًا، وتنتظرون أن يكون في نهاية نفق الانتظار الطويل هذا من يقف وينتظر شروقكم. هل أتحدث عنكم؟ أنا أصغر من الكلمات، والكلمات أصغر منكم.. فعل الشعراء ذلك من قبل وسيفعلون من بعد، قالوا إنكم تربون الأمل، وأن الليل زائل ولحريتكم الحمراء بابٍ بكل يدٍ مضرجةٍ يُدق، ولم يبتقَ لنا إلا صوتنا الآمل لعبور الجدران الاسمنتية.. والحديث إليكم

محاولتنا نحن من خارج الأسوار الإضراب عن الطعام، أعترف، ما هي إلا محاولة نشيد لقليل من الرضا الذي يعيننا على تحمّل حريتنا وحياتنا اليومية التي تبدو صغيرة جدًا أمامكم الآن، وهذا لعمري أحقر من النسيان.. عدوّنا الأول. لو كنت مكانكم، كما قال صديقي عاصم، لما انتظرت أحدًا أن يفعل ذلك من أجلي. وأنا لا أستطيع أن أطلب منكم شيئًا في ملحمتكم هذه، ولا حتى الصمود فيها.. لكني على يقين لا يحتمل الجدل أنكم ستنتصرون، وأن ما من جدارٍ يُقرع في سديم هذا الصمت سيصمد طويلاً، وأنكم ستأتون بالشمس إلى الداخل، إلى داخل كل منّا، أنتو الـ رح تطلعوا الضوّ..

غدًا، الأربعاء 12.10.2011 يدخل شباب من كل أنحاء العالم في إضراب عن الطعام تضامنًا مع الأسرى في المطالبة العادلة بحقوقهم، حتى لا نتحوّل إلى أشباح تعيش تحت ظلم الاحتلال أو الخوف من الاحتلال.. أعطوهم حقهم الأدنى من واجباتنا عليهم، لا تخذلوا الأجساد المتعبة.

رسالة مفتوحة

أكتوبر 2, 2011

إلى صديق لا يعرف نفسه.. بعد،

يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء يا صديقي. أقصد أنني أصدقك لبرهة حينما تقول أنك لم تعد تكترث لشيء ولهذا لا زلت موجودًا في العالم، تبدو صادقًا إلى حدٍ ما، لا أقول أنك كذلك، من أنا حتى أعرف؟ الأمر فحسب أن ملامحك تبدو عفوية بعض الشيء حين تقولها، لكن العفوية، وكما تعرف، لا تظل عفوية حين تصرّح بنفسها. لذلك أنا لا أخفي أن لديّ بعض الشكوك بخصوصك، الكثير منها في الواقع، قد تصل بي الأمور في لحظة ما إلى الشك بوجودك من الأساس، لا يهم.. ما يهم أنه لم يسبق لي أن كتبت لك على الملأ هكذا، ولا أدري لماذا أفعل الآن، لكني وكما صرت مؤخرًا، لا أهتم بما وراء لماذا كثيرًا.

الهواء النافذ من الشباك يرد الروح، تحسّه يدغدغ كسل أجفانك فتحيل توترها إلى ابتسامات، التفكير لوهلة في هذه الجملة يجعلك حزينًا لبعض الوقت، أليس كذلك؟ أنت لا تحب أنت تحاصر بأسئلة تضع لك الخيارات قبل حتى أن تفكّر في الإجابة، ها؟ أنت لا تحب الأسئلة كلّها في الواقع، تودّ لو تضع بينك وبينها سور الصين العظيم مع برج حراسة مدجج بالأسلحة كل عشرين مترًا، هكذا أخبرتني مرة. كم ضحكت عليك حينها. تبدو ساذجًا حين تعبّر عن أفكارك، أقصد أنها -أي أفكارك- جيدة ولا بأس بها نسبيًا، لكن طريقة تعبيرك عنها مضحكة. هل أخبرك أحد بهذا الشيء من قبل؟ لا يهم، لا أريد أن أعرف، أنا فقط أردت أن أخبرك لذلك، وآخر ما أتمناه هو سماع إجابة منك.

حاولت كثيرًا أن أفهم من تكون، أو مم يتشكّل هذا الشيء المدعو أنت. في كل مرة تجعلني أشعر أنك غامض إلى الحد الذي أتراجع فيه عن رغبتي بمعرفتك. تبدو غامضًا بعض الشيء لمن لا يعرفك تمامًا، لكن الحقيقة أنك لست كذلك، وأعلم أن كلامي لن يزعجك بما أنك لستَ في الخامسة عشر من عمرك ولم تعد تحبّ  تلك الجزئية في حياتك عندما تزوكم جارتكم وتسأل أمك همسًا عن غموض ابنها الذي لا يتحدث إلى أحد، في الواقع أنت “تبدو” غامضًا لأنك لا تتحدث كثيرًا، هذا ما لا يعرفه جميع من حولك عنك، وأنك حين تتحدث فأنت لا تفعل ذلك لأي شخص. هذا لا يعني بالطبع أنك تُخضع من حولك لمقاييس واختبارات قبل بعثرة ما بداخلك على مسامعهم، سيكون هذا مدعاة للسخرية، لكني اؤمن أن لك طريقة معيّنة في فعل ذلك، ربما أنت نفسك لا تعرفها. وهذه الأيام، أكاد أجزم بأني أعرف بالتمام ما تحسّ به، ألا تشعر وكأنك مكتبة ضخمة للغاية، لكن رفوفها كلّها فارغة، وأبوابها مشرّعة طوال الوقت؟ أعلم، وأعلم أيضًا أنك لطالما حاولت أن تمتلئ، أن تضع كتابًا هنا أو مجلةً هناك مشكّلا فسيفياء تظنها تؤنس وحشتك الداخلية هذه، فيدخل شخص ما، يعبث كيفما يريد، يسرق ما يشاء من فسيفسائك، ويخرج. لقد كنت عاديًا في فترة ما في حياتك، وفي هذه الفترة كانت مكتبتك لا بأس بها، ربما لا تحكم السيطرة  تمامًا على شبابيكها في الأجواء العاصفة لكنك بالتأكيد تقفل أبوابها كلّ مساء، ولا تفقد من الكتب فيها إلا ما لا تحبّه فعلاً، وتنام هادئ البال، نوعًا ما. لكنك لم تعد عاديًا، يبدو هذا لوهلة مثيرًا بعض الشيء، ها؟ لكنه في الواقع شيء مقزز. لا أحد يرغب في أن يكون في مكانك الآن!

أنا لم أراجع ما كتب أعلاه، وأكاد أقسم أنني لا أتذكر عمّا كان، ولم ينفد منّي خيط الكلام بقدر ما أود أن أعطيك مهلة لتزفر، ثم سأعاود الكتابة لك من جديد. لكن حتى ذلك الوقت، دعك من فكرة رسالة الاعتذار إلى العالم تلك، وأنصحك بدلاً من ذلك أن تكثف من محاولاتك لطلاق قلقك الدائم هذا، وأن تستمر فيما تظنه تفاهاتك اليومية، قد تُدهش أنها هي -وحدها من بين كل هذا الزحام- ما ستخلد معك طوال العمر يا صديقي غير العزيز.

عن السفارة الإسرائيلية والرومانسية الفلسطينية

سبتمبر 10, 2011

الآن، بعد أن نلت من النوم ما يكفي لسدّ عطش ما نال منّي من النعس في 30 ساعة لم أستطع النوم خلالها دقيقة واحدة، الآن ونسمات الهواء تضرب الشبّاك ما استطاعت للشجر أمامها سبيلا، دعوني أخبركم بعض الأشياء، رغم أن زخمها الذي لا زال يقيم كرنفالات في رأسي لن أستطيع اختصاره بحروف حتى لو كنت شاعرًا.

  • أنا أعيش أيامًا ما كنت في أشدّ شطحات خيالي خصوبةً أتصوّرها. هذه حقيقة، وأن الشعوب إذا أرادت لشيءٍ ما أن يكون، فإنه -بإرادتها البحتة- سيصير، هذه حقيقة أخرى أثبتها أجمل الشعوب بالأمس، ولا تفتُّ من عضدها “الإرادة الشعبية الفلسطينية الأزليّة” بإنهاء الاحتلال، والتي لا أعرف بعد مدى جديّتها أمام هذه الجدران الإسمنتيّة التي تنهار أمام المعاول الصغيرة، وأمام جيوش تحرس عمارات ذاهبة في الإرتفاع وفي السقوط في آنٍ معًا. لا أعرف، ولا أهتم.
  • هل نريد إنهاء الاحتلال؟ ومعلش يا أخوتي في كل المنافي ومخيّمات اللجوء الممتدّة فهذا السؤال موجّه بالتحديد للأخوة في الضفّة وغزّة وكل فلسطين التاريخية، ولي بالتأكيد. مع التنويه إنه: إحتلال غير مكلّف هو احتلال دائم. حواجز كقلندية وإيرز وغيرها، أشبه ما تكون بالدوليّة، لا تدفع ضريبة سرطنتها في وسط المسافات هي معابر دائمة. حدود ومستوطنات لا تئنُّ صباح مساء لا تحلموا أن يزيحها “استحقاق أيلول” ولا الطبيعة، مهما أحدثت من زلازل، سنتيمتر واحد. الطريق طويلة، لا تعوّلوا إلا على أقدامكم والأحذية الرياضيّة.
  • لا أتذكّر متى كانت آخر مرة أدمعت فيها عيناي، ولا يهم. بالأمس أمام السفارة الإسرائيلية دمّعت، وأنا -كما أعرفني- لم أفعلها يومًا من الفرحة، لا أذكر أنني فعلت حين نجحت بامتياز في الثانوية ولا حين اجتزت الحدود “متسللاً” إلى الضفّة. دمعةً تشبه تلك التي سقطت بين الملايين في التحرير ليلة 11 فبراير، دمعة لا جرأة فيَّ لأن أقول أنها دمعة غيرة وحسد، لكنها -ولا تخبروا أحدًا- كذلك.
  • أنا أحب الله، وأحب العفوية الشعبيّة واللاوعي الجمعي الذي هتف بإسمه: “الله أكبر” أمام السفارة مع إسقاط كل عمود وحجر من الحائط، لكن عفوًا يعني، على ما يبدو أن الشعوب لم تدرك بعد أن الله نفسه أراد لها أن تكون أكبر. That’s a fact, act like it.
  • من بين ملايين الأحاسيس التي يشعر بها المرء في يوم كهذا، أنا لا يغيب عن بالي بعض الشباب الذي أدين لهم بحب قبل حتى أن أتعرّف إلى بعضهم. طارق شلبي، ياسر حجازي، مصعب الشامي وعشرات غيرهم اعتقلوا في ذكرى النكبة أمام السفارة، أو ما كانت تسمّى بذلك قبل 9 سبتمتبر. أنا أحترمكم، والإحترام في أيام كهذه، لو تدرون، مُنهك أكثر من الحب. وإلى كل من كان أمام السفارة أمس وربتَ، ليس على كتف كل هؤلاء الشباب الذين صعدوا للجنّة بعد أن اُنزلوا على ركبهم، بل على كتف كل الشهداء على الحدود وعلى سكّان الجيزة ومصر وفلسطين والأمة كلها: أنا بحبُّكم.. يا ولاد المجنونة.
  • محدش يعلّق على رداءة التصوير، بهيك مقاطع المهم الإحساس، وأتصوّره هنا عابر للقارات.

إلى عاصي، مع الحب

سبتمبر 9, 2011

assy قبل أكثر من عام ونصف، في ميكروباص يقلّني من رام الله إلى البيت الذي أسكنه مع آخرين استفضت في الحديث عنهم في مرحلة كنت أحاول أن أفهم الناس فيها، وفشلت ولا زلت. المهم، في الباص كان يجلس بجانبي شاب يضع سماعات مشغّل الموسيقى في أذنيه ويميل برأسه بتصوّف استدعى، ليس انتباهي فحسب، بل رأسي لمشاركته حالته تلك، وبلا موسيقى. عندما نزلنا من الباص سويًا في “المرج” حيث نسكن كلانا اتجهت إليه وبشكل مباغت بدأت حديثا لا أذكر عمّا كان تمامًا، أحاول أن أتذكره الآن وأقلّب في رأسي ما حدث في محاولة لايجاد تفسير لشيء ما كنت في وضعي الطبيعي لأفعله ولا أجد مبررًا إلا حاجتي الماسّة آنذاك لتكوين صداقات جديدة في هذا الفضاء الواسع والمخيف للوهلة الأولى والذي كان شعوري الأول فيه هو الرغبة في المغادرة والعودة لغزّة مجددًا، فضاء لم تكن تتجاوز صداقاتي ومعارفي فيه أصابع اليد الواحدة.

خضنا في حديث قصير، واتفقنا على اللقاء مجددًا بعدما تبادلنا أرقام الهواتف. تناسينا أو نسينا، لا أذكر، لكننا التقينا مصادفةً على حاجز عطارة أثناء مظاهرة خرجت من جامعتنا للحاجز وأصيب فيها بعض طلاب الجامعة، واتفقنا مجددًا أن نلتقي.. وكان ذلك بعد أسبوع في مقهى “الليغا” الملاصق لسكني، وهو مقهى مقيت لا أتذكر كيف تحمّلت السكن بالقرب منه. عرفت من عاصي يومها أن والده سمّاه كذلك بسبب حبّه لعاصي الرحباني، وأنه لو ولد فتاة كان سيسمّيها نهاد; “إذ أنه أصدق من فيروز”. ولقد ورث عن والده حبّه لهما ووزّع كل ما يملك في صدره من حب بين أمّه وفيروز، بالتساوي. وعرفت أنه خريج إدارة أعمال من بيت لحم ويعمل في شركة للخدمات اللوجستيّة، وأنه في غير أوقات الدوام يعزف العود. زرته في البيت وعزف لي على عوده “نسّم علينا الهوا”، زارني في سكني وعزف على عودي، ومن خلاله تعرّفت على موسيقيين لم أكن قد سمعت أسمائهم من قبل، ومن حاسوبه المحمول سرقت أكبر مكتبة موسيقية للكلاسيكيّات، فرانك سينارترا، ارمسترونغ، فاغنر، شتراوس وغيرهم الكثير. عاصي، والأغلبية ممن تعرفت إليهم خلال الفترة التي عشتها هناك، تلاشت علاقتي فيهم بشكل لا يصدّق، وجلّ ما بقيَ بيني وبينهم صداقة إلكترونية على “الفيس بوك” أو رسالة تباغت ليلي الهادئ وتفرش الذكريات سجّادة صلاة، وتعا خلّصني بقى. في الواقع، حتى علاقتي مع رام الله وتلك الحقبة باتت باهتة ومحاولة إسترجاعها لجدُّ مُجهدة ولا فائدة تُرتجى منها، وصار لا يذكّرني فيها إلا بضعة صور على الحائط ألصقتها قبل وقت قريب وأفكّر بين الحين والآخر أن أزيلها.

يسألني عن حالي الذي لم يتغير، وأين وصلت بي الأمور وهل نجحت في الإفلات من سطوة القاهرة أم ليس بعد، ويخبرني في رسالته العابرة للقارات أنه أصبح في المجر منذ أشهر في بعثة دراسية لمؤسسة ما، وأنه سيتزوج قريبًا من زميلته الأفغانية في الدراسة. طلب مني في الهامش ألا أستغرب من ذلك، “فالأفغانيات من أجمل نساء العالم وأكثرهن تهذيبًا”. يخبرني فيها أيضًا أنه قد قرأ تدوينتي الأخيرة عن الموسيقى وأنها صفعته على خدّه الأيمن بعدما صفعته على الأيسر حقيقة أنه لم يسهر سهرة موسيقية “منذ أيام طويلة” مع فرقة بسيطة تابعة للجالية العربية هناك والتي تعرّف على أعضائها ونشأت بينهم علاقة موسيقية “أخت فلّاتة”.

والآن ماذا يا عاصي؟ علينا أن نعترف أننا فشختنا الحداثة إلى الحد الذي أصبحت فيه رسالة دافئة مثل هذه كفيلة بأن تؤرق ليلي وتجعلني أكتب عنها حتّى قبل طلوع الضوء محتفيًا بها بدلاً من الرد مباشرةً عليها. صديقي، أنا أتمنى لك من قلب قلبي حياة لا تتذكّر فيها قذارة رام الله ولا الاحتلال ولا حتى صداقتنا السريعة والمؤذية عاطفيًا، حياة معبّدة بالرضا ومرصوفة بالجمال، هادئة ولا يعكّر صفو مزاجك فيها إلا – في اسوأ الاحوال – سوء الأحوال الجويّة.

إلا صحيح.. حتّى الناس عندكو في أوروبّا بتقول عن المطر “سوء أحوال جويّة” ؟

* الصورة لعاصي الرحباني، مع كل الشوق.. والحاجة.

موسيقا، موسيقا

اغسطس 12, 2011

أنور ابراهيم، لمن يذهب إلى همّه يتمطّى، ولم يعرف بعد لماذا هو ممتع أن نعيش*

أنا أؤمن بالموسيقى أكثر من أي شيء آخر. هذه الأصوات التي تنبعث من الآلات المختلفة، بالنفخ، بالضرب، بالمداعبة.. لا زالت تشكّل فسيفساء قدسيّة عصيّة على الكسر، تصيبني بشهيّة فاجرة للحياة، وترميني في الدرك الأسفل من الجحيم،. وإيماني بها نابع من حقيقة أنها -وحدها- تشكل المقياس الحقيقي والوحيد ربما في حياتي لمدى جديّة الأفكار والأحاسيس التي تلتهمني أول الفجر كما الآن.. مؤخرًا، وفي كل فرصة تقتنص آذاني فيها المقطوعة أعلاه أتسمّر ويلبسني احساس أنني لا أحب أيٍ شيء في حياتي، ولا شخص ممن هم في دائرة حياتي الضيقة، وأن ما بيني وبينهم مهما غالى في السمو لا يتجاوز مشاركتي بعضهم الهموم والقلق ذاته، ويتملّكني مع البعض الآخر فضول لا أستطيع مقاومته لمعرفة كيف يفكرون تجاه الأشياء. الموسيقى أحد أهم هذه الهموم الجامعة، لكن ومع الوقت، يغدو العزف المنفرد أسلوب حياة كامل لا مفضّلة موسيقيّة فحسب، وأصير أنا النشاز في نسق هذه الاوركسترا الجماعيّة، فأعتزل.

حتى وقت طويل من عمري كنت أظن أن الموسيقى أمر سيء، بعيدًا عن التنظير الديني عنها والذي كان يمارس بإرهاب على عقولنا في خطب الجمعة وحصص التربية الإسلامية وكل فرصة مواتية. كنت أرتعب من الزخم الذي تملأني به كلاسيكيات هاندل، والحالة التي تتركني فيها فيروز، والشعور بالذنب الذي لطالما رافق استماعي لزياد ولا يزول إلا بسكوته. خضت معارك داخلية في محاولة لفهم كل جملة موسيقية تغزوني، وكان الأمر أشبه بتفسير تشكّل قوس القزح بمعادلات كيميائية. “حالة تشوّه” كما أراها الآن من بعيد. من بعيد، لأن خللاً ما لا بدّ أن يصيب الخلل في وقتٍ ما، إن هو لم يصلحه فسيحرف بالتأكيد ميله تجاه الطبيعي أكثر، وها أنا ذا، تصل بي الأمور أن أتمنى من الله، بشكل باعث على الضحك، وفي شهره الأحب إلى قلبه أن يزرع السماء بسماعات ضخمة تبثّ الموسيقا حتّى الخلود كي يصير هذا العالم محتملاً.

قبل أسبوعين كنت أجلس مع صديق مميّز في لقاء يجمعني به للمرة الثانية فقط في خانيونس، قبل أن نمر في مشوار حديثنا الأكثر متعة منذ سنوات بالنسبة لي، بمحطّة الموسيقى، الجاز تحديدًا، مقطوعة عيون ريتا المذهلة لأنور ابراهيم على وجه التحديد، فتتشابك آثارها في قلبينا بصدفة لذيذة تاركة فيَّ دهشة أظنّها كانت ستقفز بعيني للخارج إن دقق صديقي النظر. قبلها بأشهر قليلة فقط، مع صديق آخر في القاهرة، خضت في أطول حديث امتدّ من منتصف الليل حتى السابعة صباحًا، على وقع ذات المقطوعة التي كنت أعيد تكرارها مرةً تلو الأخرى كلّما انتهت حتّى غرقنا في النوم.. يا الهي، أحيانًا، رغم كل شيء.. لا مفرّ من أن تبتسم!

الثاني عشر من آب، عام الربيع العربي
وفي روايةٍ أخرى: الذكرى الخامسة والثلاثون لمجزرة تلّ الزعتر.


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 546 other followers